حبيبتي باولا … جمال
قصة فلم تم عرضه على التلفزون ” الإسرائيلي” عام 1994
كنت احب متابعة التلفزون تلك الأيام ، خصوصآ بعد فترة وجيزة من خروجي من السجن ، في ظروف صعبة كنت عاطلآ فيها عن العمل ، كنت أنام النهار وأقوم الليل ، إعذروني جميعآ ..
الكثير من المشاهدون يتابعون الأفلام والمسلسلات بهدف المتعه وقتل الوقت ، والقليل منهم يستفيدون من العبر أو ينظرون إليها من زاوية نقدية ، شخصيآ لا أتذكر أنني تابعت المزيد من الأفلام والمسلسلات خلال العشر سنوات الأخيرة ، وفي الفترة الأخيرة إنقطعت عن متابعة الأخبار ، لا أعرف السبب ، لكن أعتقد أن الوضع العام السائد لدى الغالبية أثر علي أيضآ .
في تلك الفترة على الأقل - التي تابعتها - عكف التلفزون الإسرائيلي خصوصآ القناة الثانية على عرض بعض الأفلام من النوع الذي سأتحدث عنه ، حيث يكون الهدف من مثل هذه الأفلام تعزيز نشر الصورة النمطية السيئة للإنسان العربي ، من أجل تنمية العنصرية والكراهية تجاه العرب ، فالعربي في مثل هذه الأفلام هو ذاك الشخص الملعون .. السئ .. الغبي المحتقر .. أو اللص الصغير الذي يسرق ولا يتقن السرقة … في احسن أوضاعه منافقآ … أو خادمآ في غير مخلص في منزل سيده … يكون أتفه شخصية في الفلم .. حين تتجه عدسة كاميرا المصور وبأمر من المخرج في لقطة قصيرة ومعادة – إذا لم ينتبه المشاهد في المرة الأولى – يظهر فيها شخص يرتدي لباسآ عربيآ مميزآ يشارك في مكان غير عادي وتصرفات منبوذه … إما أن يكون يشرب بشراهه في بار رخيص .. أو يقف جانب حاوية زبالة ينتظر الباص ، بعيدآ عن باقي الناس الذين ينتظرون نفس الباص .
عام 1994 شاهدت فلمآ – حلقة من سلسلة حلقات من نفس النمط – وكان إسم الحلقة ” حب من أول نظرة - الحبيب في هذه الحلقة كان عربيآ من أصول جزائرية إسمه جمال – لا محمد ولا عبد – والحبيبة كانت سويسرية الجنسية تدين باليهودية إسمها باولا – ليست سارة ولا مريام - .
القصة غريبة لكنها ليست محبوكه جيدآ ، حيث شاهد جمال باولا وهي جالسة مع حبيبها في أحد مطاعم إسبانيا ، أعجبته ، أخذ عنوانها وأخذت عنوانه ، ودارت احداث الفلم بصورة دراماتيكية غير عادية ركزت على إخلاص باولا وحبها وإنسانيتها ، تفاهة جمال وعفويته .
دارت أحداث الفلم لتسافر باولا إلى سويسرا ، بعد فترة يشعر جمال بالإشتياق لباولا ، يسافر لسويسرا من إسبانيا ولم يكن يعرف حتى الآن أن باولا يهودية – يمكن لو كان يعرف أنها يهودية لن يلحقها وذاك متروك لتقييم المشاهد ، فالمشاهد الإسرائيلي سوف يكرهه ، لأنه غدر الحب وتركها لدينها ، والمشاهد العربي سيعتبره خائنآ لأن الإسرائيليين إحتلوا الأرض العربية وجمال يبني علاقة غرام مع يهودية ، خصوصآ أنه لم يكن قد حسم شعوره لغاية الآن ، وربما يتوقع أن تربطه بالموساد ويبقى طوال الفلم خائفآ – سافر جمال المسافة من إسبانيا لسويسرا مع أنه كان فاشلآ في إسبانيا عاطلآ عن العمل في إسبانيا ، ولم يدرك المخرج أو كاتب القصة من أين سيوفر جمال ثمن تذكرة السفر – مع أني متأكد أنه لم يكن جمال - لأنه لو كان جمال أعتقد لن يخذل المشاهد العربي ، وسيوقف العلاقة ، ولم يبخل علينا المخرج ببعض الحركات السخيفة من جمال التي تؤكد الصورة النمطية السابقة للإنسان العربي ، هذه الحركات التي كانت تدل دائمآ على الشخصية السخيفة التي لا تفهم بأصول الحب والمعاشرة ، رغم ذلك وفي كل مرة كانت باولا تسامح جمال بالرغم أنها كانت تعرف أن جمال عربيآ من إسمه وليس فقط من تصرفاته .
أيضآ إستغربت كيف سمحت السلطات السويسرية ل جمال بالدخول إلى أراضيها فالعربي ذاك الإنسان المتهم بالإرهاب والعداء للسامية – رغم أن أستاذ التاريخ في المدرسة الإبتدائية علمنا أننا نحن العرب الساميون - .
إلتقى جمال باولا أمام منزلها في سويسرا صدفة كما يحدث وفي كل الأفلام ، وصدفة أيضآ كانت باولا مختلفة مع حبيبها السويسري ، وربما تركت حبيبها لأجل عيون أبو جمال ، أما جمال فيعرف عن طريق الصدفة أن باولا يهودية ، فيناديه إنتمائه القومي ، ويتذكر إحتلال فلسطين والنكسة والنكبه ، وربما يكون جده قد شارك في احد الحروب العربية ضد إسرائيل ، يتذكر كل هذا ، يفكر أن يترك محبوبته ، حتى كادت أن تكون نهاية الفلم تراجيدية ، إلا ان مفاوضات مدريد حينها وتطورات أوسلو دفعت المخرج إلى تحريك الحمية في لقاءات القاهرة ، ليجعل جمال أن يتخذ القرار ” الصائب ” بالإرتباط بباولا وأن يدوس على كل الجراح العرية أملآ من أن تؤدي نتائج المفاضات بين العرب والإسرائيليين إلى إنقاذ هذا الحب .
15.10.1994


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق