الأحد، 4 أكتوبر 2009

غولة الوادي وأولياء الجبل


كنت ماشيآ في طريق ضيقه لا يتجاوز عرضها المتر الواحد ، ينمو الصبار على جانبيها بإرتفاع أعلى من ثلاثة أمتار أو أكثر ، كانت الشمس غائبه والظلام أخذ يسيطر ، أخذت خطواتي تسرع لتجاوز هذه الطريق وبدأت رجلاي تشدني إلى الركض عندما تحرك ذاك الشئ الأسود امامي في الظلام ، أصدرت حركته صوتآ مخيفآ ، تابعت ركضي حتى وصلت إلى البيت ، لم أخبر قصتي لأحد رغم الخوف الكبير الذي تملكني ، قلت لأمي أن أبي قد نسي سجائره في البيت ، وهو يريد أن يدخن ، كنا نعرف إذا كان أبي موجودآ في البيت من رائحة الدخان ، لهذا لم نكن نجرؤ على الخصام ، وكنا نخرج إلى اللعب في الشارع إلى ان تخرج رائحة السجائر من المنزل ، بعدها ندخل ويكون عقاب أمي منا شديدآ لكثرة شقاوتنا ، أخذت السجائر من أمي وعدت إلى الحقل رغم خوفي الشديد من طريق العوده ، حيث أننا ذهبنا في ذاك اليوم لجمع المحصول الذي كنا نزرعه في الحقل ، لم يكن عمري يتجاوز الإثني عشرة سنه ، لكن ذنبي  أنني كنت الأكبر سنآ بيين الأبناء والبنات التسعه . 
    غيرت طريق العودة الى الحقل ،  وأضطررت أن أسلك طريق الوادي ،  أخذ خيالي يسرح في الغوله التي تسكن هذا الوادي ، أقنعت نفسي أن الغولة قد لاقتنى الآن في الطريق الأخرى بين الصبار ،  وهي التي أصدرت الصوت وليس شيئآ آخر ،  قصة هذه الغوله التي كانت أمي تقصها علينا لنخاف وننام ونتوقف عن الحديث حيث تقول القصه :
    كان لأمي خال يدعى  علي حسن منصور ، معروف هذه الرجل بقوته وتحديه ، زوجه والده لإبنة عمه عندما كان عمره سبعة عشر عامآ لأنه كان الولد الذكر الوحيد بين أخواته التسعه ، قالت لنا أمي أن خالها جاءه خمسة أبناء ذكور وخمسة بنات ، كان إسم إبنه الأكبر منصور على إسم جد خالها ، هي لا تتذكر خالها جيدآ حسب ما روت لنا ، وكانت تقول لنا أنتم تعرفون أنه لم يكن متوفر بئر ماء في كل بيت ، كنا نحضر الماء من الآبار حول القريه ، تتابع أمي قصتها وتقول  : في ليلة مظلمه ، وعندما كانت زوجة خالي في شهرها التاسع ، حاملآ بمولود جديد لخالي ، جائها "الطلق " وحان موعد نزول المولود ، ذهب خالى ونادى القابله ، وعندما حضرت القابله طلبت الماء ، أحضر لها خالي ماءآ ، قالت له أن هذا الماء لا يكفي ، فقرر خالي الذهاب ليعبئ الماء من البئر ، وأقرب بئر كان هو بئر الوادي الذي تمرون عنه كل يوم عندما تذهبون إلى الحقل .
  كنت أقاطع والدتي وأقول لها : أمي قبل يومين نزلت إلي ذاك البئر مع أحد أصدقائي وأخذنا منه عش العصافير  ، ويوجد بداخله عش آخر فيه فراخ صغار ، عندما تكبر سننزل إلى البئر ونأخذها  ، كانت أمي تردعني وتطلب مني أن لا أنزل إلى ذاك البئر ثانيه ، تسألني كيف نزلت ، ومن أين أحضرت حبلآ ؟ ، إياك وأن يكون الحبل الذي نربط فيه الحمار ، كنت أضحك ولا أجيب سؤالها ، وأطلب منها أن تكمل حكاية خالها الذي ذهب ليحضر الماء وماذا أطعموها من الحلو عندما ولدت زوجة خالها .
    قالت لنا : أن خالها تابع ووصل إلى البئر رغم أنه كان يعلم أن الغوله تسكن هناك ، فهي تشرب وتستحم في الليل ، كان وجه أمي يتغير عندما يأتي الحديث عن الغوله ، وتفرح عندما تتحدث عن خالها أبو منصور ، لكني كنت أقاطع أمي دائمآ عند هذا المقطع من قصتها وأسئلها : لماذا الغوله تشرب في الليل ؟ أنت تمنعينا من شرب الشاي في الليل ، لماذا تستحم الغوله في الليل ، هل هي متزوجه ؟ ، كيف يكون جسمها ؟ هل رآها أحدآ وهي عاريه ؟  هل يوجد غول ذكر زوج الغوله ؟ لم تكن أمي تجيب على أسئلتي .
 تكمل والدتي قصة خالها وتقول : بعد أن عبأ خالي أبو منصور قرابه بالماء وضعها على الحمار ، ركب حماره عائدآ إلى البيت ، وفي طريق عودته شعر بالعطش ، مد يده ليتناول قربة ماء يشرب منها ، شعر أن أحدآ يركب وراءه على الحمار ، صرخ صرخة واحدة سمعها كل أهالي القريه .
    سألت أمي : هل قتل الغوله ؟ تكمل أمي حديثها وقد أصبح وجهها شاحبآ لونه ، عاد الحمار إلى البيت وعليه القرب فارغه وآثار دم خالي أبو منصور الذي أكلته الغوله ، لم يكن شيئآ منه على ظهر الحمار أكلته الغوله كله حتى عظامه ، فأسأل امي : وهل الغوله إنسان يشبهنا ؟ لم تكن تعرف الجواب وكانت تبكي خالها كلما قصت علينا قصته .
    عندما نكون نائمين كنت أسمع صراخ إخوتي ، فقد كانت تأتهم كوابيس الغولة التي أكلت خال أمهم ، تابعت المشي من طريق الوادي وعدت بالسجائر إلى أبي ، الذي كان فرحآ بعودتي إلى الحقل لأني كنت حاملآ سجائره وليس لأن الغولة لم تأكلني  ، حتى أنني إستغربت كيف سمحت لي أمي بالعودة إلى الحقل ليلآ فهي الأخرى لم تكن تخاف علي من الغولة التي أكلت خالها ، تابعنا جمع الغلال في الحقل إلى أن ظهر نور الصباح ، وتأكدت من حديث أبي أثناء العمل أن لعنة الأولياء الذين سكنوا المنطقه بعد حادثة خال أمي قد قتلت الغوله أو جعلتها تهرب من المنطقه .
    عندما كنا نلعب المخفيه ونحن صغار ، كنت أفضل الإختباء بين القبور ، لأني كنت أدرك أن أحدآ من أصدقائي لن يجرؤ على البحث عني في المقبره ، كونهم كانوا يخافون المارد " رغم أنه ملك من الملائكه " الذي يسكن المقبرة ويحرس الموتى .
    بعد أن تخرجت من المدرسة الإعداديه ذهبت لإكمال دراستي الثانويه في المدينه ، أصبح لي أصدقاء من أبناء صفي في المدرسة الثانويه ، كنا نتحدث في أمور كثيره ، تختلف قصصهم عن قصص أهل الريف ، كان مربي الصف ينادي أحد أصدقائي أيها الألماني ، دفعني الفضول إلي سؤال صديقي عن سبب مناداة الأستاذ له بالألماني ، فقال لي صديقي أنه من مواليد ألمانيا ، إستغربت منه لماذا عاد وأهله من ألمانيا إلى فلسطين ، قلت له انا متأكد أن الحياة في ألمانيا أفضل وأسهل من الحياة في فلسطين ، أكد لي ذلك ، لكنه تابع حديثه وقال : أبي يحب فلسطين ، وأينما نذهب لا نجد مثل فلسطين ، ولسنا مثل إبن قريتكم الذي رفض العودة مع أبي ، إستغربت لحديث صديقي ، قلت له أنا اعرف كل اهل قريتنا ، فهي صغيره ، وأعرف كل المغتربين ولا يوجد شخص واحد من قريتنا كان في ألمانيا ، قال لي أنه كان لهم جار في الستين من عمره ، وإسمه أبو منصور ، حينها أسكتني صديقي وتذكرت قصة خال أمي والغوله .
    بعد أن جمعنا المحصول في ذاك اليوم ، كان غلالآ جيدآ ، جمعناه كومة واحدة لنأخذه إلى القريه ، طلب منا أبي أن نعود إلى البيت وقال أنه سيتأخر ورائنا قليلآ لأنه يخاف ان يأتي الرعاة ويطعمون المحصول لأغنامهم ، بعد أن وصلنا البيت بساعة عاد أبي ، وفي اليوم التالي عدنا إلى الحقل لتحميل المحصول على الحمار وأخذه إلى القريه ، لكن أحد الرعاة كان قد جاء بأغنامه إلى الكومه ، لم تأكل الأغنام كثيرآ ولم نخسر من المحصول شيئآ يذكر ، لكننا وجدنا سبعة رؤوس من الأغنام نافقة بجانب الكومه ، سألت أبي لماذا ماتت الأغنام ؟ فقال لي أولياء الله هم الذين قتلوا الأغنام ، لأن ذاك الراعي أطعمها محصولنا ، ونحن قريبون من الله ، والله يحمي محصولنا بأولياءه .
    بعد يوميين من هذه الحادثه ذهب غالبية الرجال من قريتنا إلى جنازة رجل توفي في القرية المجاوره ، ذهبنا مشيآ على الأقدام ، طلب أبي مني أن أذهب معهم ليباركني الرجل الصالح صاحب الجنازه ،  فكما سمعت أن الرجل الميت هو أحد أولياء الله وقريب منه .
   جلسنا أمام بيت الرجل الصالح سمعت أحاديث كثيرة عنه كان يرددها الرجال الجالسون ، قالوا أنه كان يشفي المرضي ، يمنع السحر ويبطله بمجرد أن يكتب حجاب ، كان يرى كل شئ يحدث في المنطقه وهو في منزله ، حتى أنني تذكرت مرة عندما فتحت حجابآ كان والدي عمله عند هذا الشيخ حين مرض شقيقي الصغير ، لكنني لم أستطع قراءة شئ منه ، فكان عبارة عن أشكالآ هندسيه غير منتظمه ، أخذت الحجاب ورميته دون أن أدرك عواقب فعلتي ، في مساء ذاك اليوم فقدت أمي الحجاب عندما أرادت وضعه تحت رأس شقيقي المريض ، لم تسأل أحدآ من أشقائي عنه وإنما إختارتني أنا للسؤال ، أخذت تترجاني ، حلفت لها أغلظ الأيمان أنني لم أراه ، وقلت لها : ربما يكون الشيخ قد إستعاده ، ربما أخطأ في شئ عندما كتبه وأخذه ليصلح خطأه ، لكنني لم آخذه ، أخذت تقرأ علي الفاتحه وسورة الناس ، تحاول إقناعي بإعادة الحجاب الذي كتبه ذاك الشيخ الولي ، لكني لم أعترف لها ، قلت لها إذهبي إلي الشيخ وإطلبي منه يكتب لك حجابآ آخر ، أو إسأليه عن الحجاب الذي كتبه أين ذهب ، أكيد سيدلكم عليه ، أصبحت أمي حزينه ، ،لأنها فقدت الحجاب الذي سيشفي ولدها المريض ، وقالت لي أن الحجاب كلفهم خمسون دينارآ ،كنت خائفآ من العقاب الذي سأناله لرمي الحجاب ، قلت لها أستطيع عمل حجابآ لكم بقرش واحد، لم ترد علي أمي ،في اليوم التالي أخذت ورقة من دفترى ، حاولت أن أقلد الأشكال التي رسمها ذاك الشيخ وأتذكرها ، طويت الورقه ووضعت عليها قليلآ من الغبار ، وضعتها في خزانة أمي ، في مكان تستطيع أن تراها مجرد أن تفتح الخزانه ، في ساعات المساء رأيت أمي فرحه ، سألتها هل وجدت الحجاب ، لم تجبني …. لكنها أعطتني نصف قرش وهي تضحك . 
    تابع الرجال بذكر محاسن الولي الذي توفي ، تحدثوا عن قصص بطولاته في الثورة وكيف كان يشغل الجان في محاربة الإنجليز ، كم قتل منهم وهو في بيته ، حتى أنه هو الذي حرر قريتنا عندما إحتلها اليهود عام ثمان وأربعين ،وقصص كثيرة خفت من بعضها ، حتى أن الخوف تسلل إلي من هذا الرجل الميت ، قررت أن لا أمشي في جنازته ، سأمشي بعيدآ عن الجنازة ، وأسأل الله أن ينتهون من دفنه بسرعه لأعود مع أبي إلى البيت .
     بعد أن غسلوا الرجل وكفنوه ، وضعوه في نعش كان يختلف عن النعش الموجود في مسجد قرييتنا ، عليه رسوم كثيرة وآيات من القرآن ، رفع الرجال الرايات ودقوا الطبول ، رفعوه فوق أكتافهم وكان عدد المشاركين كثر ، بقيت بعيدآ لشدة خوفي ،أخذ الرجال يهللون ويكبرون والنساء تبكي وتنوح ، الجنازة لا تمشي رغم كل محاولات الرجال في الخلف لدفعها ، سمعت بعضهم يتمتم ويقول : إن بركته ترفض خروج جنازته ، وقصص كثيره تفسر سبب عدم مشي الجنازه ، رأيت الرجال في المقدمه واقفون ، كأنهم يمنعون الجنازة من المشي ، إقتربت من الرجال في الخلف ، حاولت أن أصل إلى أبي - الذي لم يغب عن عيني لحظة واحده – لأقول له أن الرجال في المقدمه يمنعون الجنازة من السير ، لكني خفت أن أحدثهم في القصه ، لأني سألقى عقابآ كبيرآ ، سأصبح شاذآ عن جميع الحاضرين ، بعد ساعة أخذ شيخ يقرأ القرآن ويأمر الجنازة بالسير ، إستمر بقراءة القرآن والأحاديث أكثر من ساعة ونصف ، أخذ يتحدث حديثآ مبهمآ لم أفهمه ، قال آمرك بإسم الله أن تسيري ………. والناس يرددون وراء الشيخ   آمين … آمين …يا رب العالمين …. ، أخيرآ مشت الجنازة بعد أن تراجع الرجال في المقدمه وأخذوا يبكون ، لم تكن تختلف عن جنازة مختار قريتنا عندما مات ، لكن جنازة المختار مشت بسرعه ولم تقف ، وقالوا أن طائره مشت مع الجنازه .
    في طريق عودتنا في ساعات المساء من الدفن ، سألت والدي كيف أخرج هذا الولي اليهود من قريتنا عام ثمان وأربعون ، ولماذا لم يخرجهم عام سبع وستون   ؟ هل كان لديه سلاح ؟ ما نوع السلاح الذي كان يملكه ؟ هل هو من بقايا الحرب العالميه ؟ ……. أمرني أبي بالسكوت ، لكني أصررت على طرح الأسئله ، فقال أحد الرجال الذين كانوا عائدين معنا من الجنازه :   حدثني أبي أن خياله على خيول بيضاء يرتدون ملابس بيضاء  كانوا يخرجون من منزل ذاك الشيخ عددهم بالمئات ، لا يستطيع أحد أن يراهم أو يسمعهم إلا الشيخ وأبناءه الكبار في السن ، مرة واحده سمعتهم زوجته وحدثت نساء القريه عن أشكالهم ، فدعى عليها زوجها الولي وماتت بعد يومين ، كانوا يذهبون لمساعدة الثوار في الحرب ضد الإنجليز ، كان الشيخ يوفر لهم الطعام والشراب ،…. يتابع الرجل : قال أبي أن أهالي قريتنا كانوا يجمعون المؤن لإطعام الخياله في منزل الولي ، ومن لم يكن يرسل طعامآ ومؤن  للخياله وخيولهم  لم يكن الشيخ الولي يبارك له أبناءه وبناته فيصابون بالمرض ويموتون ، أخذ يضرب أمثالآ على بعض من اهالي القريه ، لم يكن الخيالة يأكلون الطعام المطبوخ ، لا يريدون النساء أن تتعب بإعداد الطعام ، فكانوا يقبلون الزيت والعدس والقمح والشعير لإطعام خيولهم ،…. يتابع … كان الله في عون زوجة الولي وزوجات أبناءه ، كم من الوقت كان يلزمهم لإعداد الطعام لهذه المئات .
    في اليوم التالي لجنازة ذاك الولي ، وقد كنا قد إنتهينا من جمع الغلال وجلبه إلى القريه ، وضعناه على البيادر لنقوم بدرسه ، طلب مني والدي أن أذهب وأبقى عند البيدر لحراسته من عبث الأولاد ، في ساعات الظهيره جاء إليي بعض الأصدقاء ، قررنا أن نصنع طائرات ورقيه نطيرها من عند البيدر ، أخذنا نبحث عن الأوراق والخيطان اللازمه لصناعة الطائرات ، تذكرت الغولة التي لاحقتني قبل يومين في الطريق الضيقه ، أخذت أصدقائي لأخيفهم بها في النهار ، عندما وصلنا المكان وجدنا قطعة كبيرة من البلاستيك  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق